القاضي عبد الجبار الهمذاني
166
المغني في أبواب التوحيد والعدل
إلا به . ولذلك وجب علينا إذا أردنا الشيء من الغير ، وعلمنا أنه لا يحدث إلا عن السبب أن نريد السبب . وإذا أردنا من الغير الخير ، وعلمنا أنه لا يتم إلا بالإرادة فواجب أن نريد الإرادة ، وإذا أردنا من الغير فعل الصلاة . وعلمنا أنه لا يتم إلا بطهارة ، أردنا ذلك منه . وصار على هذا الوجه ما عنده يختار وما به يقع مع نفس الفعل بمنزلة بعض أجزائه « 1 » مع بعض وبمنزلة الإرادة مع المراد . فكما يجب إذا أردنا العقل لغرض أن نريد جملته - وما دعانا إلى فعل الشيء يدعونا إلى إرادته - فكذلك الحال فيما قدّمناه . وإذا صح ذلك علمنا أنه سبحانه قد كلف المكلف الفعل لغرض - وهو تعريضه إياه للثواب - وعلم أنه لن يختار ذلك إلا عند فعل يفعله « 2 » . فيجب أن يكون الداعي إلى التكليف يدعو إلى هذا الفعل من حيث كان المقصد لا يحصل إلا معه . واعلم أن الّذي ذكرناه إنما يجب في الحال الواحدة « 3 » ؛ فأما إذا كان الحال التي أراد فيها الفعل غير الحال التي يفعل فيها اللطف فغير واجب أن يكون ما دعا إلى التكليف يدعو إلى فعل اللطف . وهو يوجب على هذا المستدل أن يوجب اللطف المصاحب للتكليف دون ما يتأخر عنه ؛ وهذا بالضدّ من المذهب الصحيح لأن ما يضام التكليف لا يكون واجبا كنفس التكليف ، لأن سبيله سبيل التمكين المضام للتكليف ؛ فكما أنه غير واجب لأنه لم يتقدّم ما يوجبه . فكذلك القول في اللطف الواقع في تلك الحال ؛ ويقتضي أن اللطف الواقع من حال التكليف غير واجب ، وهذا هو الّذي يصح القول بوجوبه من حيث تقدّم من التكليف ما يقتضي الوجوب فيه .
--> ( 1 ) في الأصل : أجزاله . ( 2 ) أي يفعله اللّه . ( 3 ) أي في نفس الحال ، والمراد أن يكون اللطف مصاحبا للتكليف في كل حالة على حدة .